تحريف النصوص


االمقد مة

تحريف النصوص ظاهرة خطيرة جداوقع فيها كثير من المبتدعة بدرجات متفاوتة وسلفهم في هذا اليهود فقد وصفهمالله بقوله:  “أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون” سورة البقرة: 75 وقال الله تعالى: فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون سرة البقرة : 79

البحث

قبل أن ندخل إلي المسألة سنبحث عن تعريفه, وهو ثلاثة أنواع بعضها أخفى من بعض:

النوع الأول: تحريف اللفظ

أخذ اليهود بنصيب وافر من هذه الصفة فقد قال الله تعالى: “وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيدالمحسنين 58  فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون 59 سورة البقرة وتحريف اللفظ يؤدي إلى تحريف المعنى غالبًا ولهذا اتصف به المبتدعة ومن أمثلة ذلك تحريفهم لقوله تعالى: الرحمن على العرش استوى سورة طه فظاهراللفظ أن الله استوى على العرش: علا عليه علواً يليق بجلاله بلا كيف ولكن المبتدعة صرفوا اللفظ عن ظاهره وحرفوه وقالوا (استوى) بمعنى أستولى وهذا تحريف بينلأنه ما دل عليه دليل بل الدليل على خلافه فاليهود بدلوا ( حطّة ) بكلمة: حنطةوالمبتدعة بدلوا ( استوى ) بكلمة: استولى وقد كان المعتزلة يحرفون كثيرًا من النصوص ومن ذلك قول الله تعالى: ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم اللهُ موسى تكليماً سورة النساء آيـــة 168 حيث يقرؤون لفظ الجلالة بالنصب (وكلم اللهَ  لكي يوافق مذهبهم الباطل في نفي صفة الكلام لله عز وجل..! ومن لطائف الأجوبة العلمية المفحمة للرد عليهم: أن أحد المعتزلة قال لأبي عمرو بن العلاء (أحد القراء السبعة): أريد أن تقرأ: وكلم الله موسى بنصب اسم الله ليكون موسى هو المتكلم لا اللهفقال أبو عمرو: هب أني قرأت هذه الآية كذا فكيف تصنع بقوله تعالى: ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربُه
سورة الأعراف: 143 فبُهت المعتزلي.

النوع الثاني: تحريف المعنى مع بقاء اللفظ على ما هو عليه:

 والمقصود به: صرف اللفظ عن ظاهره وما يفهمه كل عربي من معناه وهو الذي يسميه بعض المتأخرين بالتأويل وهو أكثر خفاء من النوع الأول وباب التأويل الفاسد وغير المستساغ باب عريض دخل منه الزنادقة لهدم الإسلامحيث حرفوا النصوص وصرفوها عن معانيها الحقيقية. وحملوها من المعاني ما يشتهونفسموا التحريف: تأويلاً تزيينا له وزخرفة ليُقبل…منهم وقد ذم الله الذين زخرفوا الباطل قال الله تعالى: وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون  سورة الأنعام :112

 والعبرة بالحقائق والمعاني لا بالألفاظ والتراكيب والمباني فكم من باطل أقيم على دليل مزخرف عورض به دليل الحق ومن أمثلة التحريف تأويل المبتدعة لآيات الصفات كتفسير صفة الغضب بإرادة الانتقام وتفسيرهم الرحمة بإرادة الإنعام وقولهم أن المراد باليدين النعمة أو القدرة وغيرها وأسرف بعض القرامطة والباطنية. ومن نحا نحوهم حينما جعلوا للقرآن ظاهرًا وباطنًا فجعلوا الظاهر: قرآن العامة والباطن: قرآن الخاصة

النوع الثالث: تحريف الأدلة عن مواضعها

 هذا النوع من التحريف من الأنواع الخفية جدًا وقد يقع فيه كثير ممن يرد الخير وهو قليل البضاعة في العلم والفهم كما أنه مدخل واسع لكثير من البدع، نسأل الله السلامة. كذكر الله والدعاء والنوافل المستحبات وما أشبهها فإن أتى المكلف في ذلك الأمر بكيفية مخصوصة أو زمان مخصوص أو مكان مخصوص أو مقارنًا لعبادة مخصوصة والتزم ذلك بحيث صار متخيلا أن الكيفية، أو الزمان، أو المكان، مقصود شرعًا من غير أن يدل الدليل على هذه الخصوصية في الكيفية والزمان والمكان كان استدلاله بالدليل العام تحريف وتلبيس وتدليس

التحريف في النصوص آفة عامة وقدر مقدور تتعرض له كل كتب التراث ما لم تتعهدها جهات متخصصة تعنى بحفظها وصيانتها. والتحريف للنصوص قد يحصل من جهتين:

  • تحريف عفوي: غير مقصود لذاته. ومرده عادة إلى الإهمال وسوء الاعتناء بالتراث، فتتعرض الكتب أو المخطوطات إلى التلف إما بالتآكل بسبب الرطوبة، أو الأرضة،..إلخ.

  • تحريف مُبيّت: وهو الذي يحدث بالنية والقصد لغرض عقدي، أو سياسي، أو مرضي إما: بالانتحال، أو الاختلاق، أو تغيير الكلم عن مواضعه، أو بالزيادة، أو بالبتر، …إلخ.، وهو أخطر أنواع التحريف بإطلاق.

في نشأة وتطور التيار النقلي في الإسلام

وكان الحافز لنشأة ذلك الاهتمام الزائد بالنصوص لدى الرعيل الأول من المسلمين، هو وقوفهم على التحريف المبيت الذي تعرضت له الكتب المقدسة، التي بين يدي اليهود والنصارى {وكلاهما ينتميان، مع المسلمين أنفسهم، إلى الخط التوحيدي الإسلامي الإبراهيمي العام}، من طرف بعض الأحبار والكتبة، كما أشار القرآن إلى ذلك في سورة البقرة، الآية 75: (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضيعه)

أو في نفس السورة، الاية 70: فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهمثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به فمناً قليلاًفويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون فحرصوا كل الحرص على ألا يقعوا في مثله.

ثم ازدادت عنايتهم به كموضوع، إلى أن تحول مع مرور الزمن إلى حقل معرفي جديد سيتخذ اسم: “النقدية التاريخية للكتب المقدسة”، كما عندالإمام: أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري الأندلسي (384 هـ/994 م – 456 هـ/1064 م) في كتابه المعلمة: “الفصال في الملل والأهواء والنحل “

البنية الحجاجية والجدلية لحضارة النص

والنصوص الإسلامية نوعان: نصوص قرآنية ونصوص حديثية.

أ) كيف تم الحفاظ على النصوص القرآنية ؟

            تتميز النصوص القرآنية بكونها ثابتة بـ “الرسم” كتابة على الرقاع (من جلد أو ورق)، واللخاف (الحجارة البيض) والعسب (جرائد النخل) والعظام…، من طرف كتبة الوحي. وقد جمعت في حياته صلى الله عليه وسلم، ثم جمعت ثانية في عهد الخليفتين أبي بكر الصديق (51 ق. هـ – 13 هـ) وعمر بن الخطاب (40 ق. هـ – 13 هـ)، إلى أن تم التدوين الرسمي للقرآن في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان (47 ق. هـ – 35 هـ) في “المصحف العثماني” بحضرة الصحابة، وتسيير نسخه الأربع المعيارية إلى باقي الأمصار الإسلامية المفتوحة آنذاك، ليتحقق بذلك منطوق الدعوى القرآنية الصريحة في سورة “الحجر”، الآية 9: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

 ب) كيف تم الحفاظ على النصوص الحديثية ؟

وتتميز النصوص الحديثية بكونها ما أثر عن الرسول ( من قول أو فعل. وهذه، وعلى خلاف القرآن، رويت بالمعنى في أكثرها، ولم تدون رسمياً في حياة الرسول ( ولا في عصر الصحابة، وإنما نقلت عنه شفاهياً في الأغلب، ولم يتم جمعها وتدوينها سوى في عصر التابعين ومن بعدهم.

وهذا لا يعني أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يؤثر عنه الأمر بالكتابة في بعض الأمور ! وقد جمع الدكتور محمد حميد الله بعض الوثائق والمعاهدات السياسية التي أبرمها الرسول في كتابه: “مجموع الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة” (طبعتها دار الإرشاد في ستينيات القرن العشرين

قلت: وأول من أثر عنه من الصحابة اعتناؤه بكتابة ما يسمع من أحاديث الرسول ( وبإذن منه: عبد الله بن عمرو بن العاص (7 ق. هـ – 64 هـ)، الذي أسندت له المصنفات حوالي 700 حديث. وذكر محمد بن بن سعد في طبقاته (4: 266) أنه كان يكتب بالعربية والسريانية.

وكان قد خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم  بقوله: أسمع منك أحاديث، أخاف ان انساها، افتأذن لي في أن أكتبها؟ قال (الرسول صلى الله عليه وسلم): نعم.

وقد اشتهرت عنه صحيفة كان يسميها بـ “الصادقة”، ويرويها عنه ابن حفيده: عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت: 118 هـ)، وهي تحتوي على 220 حديث.

واشتهرت صحف أخرى عن كل من:

  • الخليفة الرابع: علي بن أبي طالب (23 هـ – 40 هـ)، وقد أورد بعض أحاديث منها كل من البخاري في صحيحه في كتاب: “الفرائض”، باب: “إثم من تبرأ من مواليه”، وأحمد في مسنده (1: 79) من الطبعة البيروتية (أوفسيت) وغيرهما.

  • والصحابي جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري (16 ق. هـ – 78 هـ)، ويرويها عنه كل من: سليمان بن قيس اليشكري البصري (ت: قبل 80 هـ)، وأبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي (ت: 126 هـ)، وعامر بن شراحيل الشعبي الكوفي (19 هـ – 103 هـ

  • وصحيفة بهز بن حكيم بن عمرو بن حيدة بن قيس (ت: قبل 160 هـ)، ويرويها عن أبيه حكيم، عن جده الصحابي عمرو بن حيدة. وهي حوالي 30 حديثاً.

  • وصحيفة همام بن منبه الصنعاني (ت: 132 هـ) وهي حوالي 138 خبراً يرويها همام بسنده إلى الصحابي أبي هريرة (ت: 57 هـ)، ويرويها عنه معمر بن راشد اليماني، الذي يروي عنه بدوره عبد الرزاق الصنعاني (ت: 211 هـ) {وانظر لزاماً ما قلناه بخصوص كل أخبار هذه الصحيفة في “ضعيف الصحيحين” المنشور على هذا الموقع، وخصوصاً في الخبرين الضعيفين المخرجين في الصحيح نقلاً عن هذه الصحيفة: “لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم!!!!”، و”خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً

الاختتام

      و من هنا نعرف أن عاقبة التحريف هي تشويه النصوص وتكدير المنابعحتى يتسنى للمبتدعة العبث في دين الله تعالى و لابد أن نحتدر من التحريفات أما من تحريف اللفظ أو إثنين الآخرين, وعسي أن ينفع لنا هذه المقالة. والله أعلم بالصواب

 

 

 

المراجع

·         Waqai Mu’tamar al-Tajdid fi al-Fikr al-Islami: 12-14 Rabī Thānī 1422 H/3 …oleh

·         جامعة اليرموك. كلية الشريعة والدراسات الاسلامية

·         القرآن الكريم

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: